مجزوءة الوضع البشري

الشخص


I-الشخص والهوية الشخصية



استشكالات أولية:
رغم تعدد وتنوع بل وتعارض الحالات النفسية التي يمر منها الشخص طيلة حياته، فإن كل واحد منا يحيل باستمرار إلى نفسه بضمير "أنا" بوصفه وحدة وهوية تظل مطابقة لذاتها على الدوام. غير ان هذه الوحدة التي تبدو بديهية تطرح مع ذلك أسئلة عديدة

بل إن البديهي يشكل الموضوع الأثير والمفضل للفكر الفلسفي. ويمكن القول أن الفيلسوف يصادف إشكالية الوحدة المزعومة للهوية الشخصية في معرض بحثه في الماهيات والجواهر. يتساءل الفيلسوف: إذا كان لكل شيء ماهية تخصه، بها يتميز عن غيره، فهل هناك ماهية تخص الفرد، بها يتميز عن غيره بشكل مطلق؟ خصوصا إذا علمنا أنه ما من صفة فيه، جسمية او نفسية، إلا ويشاطره التخلق بها عدد قليل أو كثير من الأفراد؛ وإذا عرضنا الشخص على محك الزمن والتاريخ، فهل هناك جوهر يظل ثابتا رغم تغيرات الجسم وأحوال النفس وانفعالاتها؟ وهل هذا الجوهر كيان ميتافيزيقي مكتمل التكوين منذ البدأ، أم أنها سيرورة سيكلوجية تجد سندها المادي في الذاكرة، وعملية تطورية تنشأ تدريجيا بفضل تفاعل الفرد مع الغير؟.

أ-ثبات الأنا واستمراريته في الزمان:

موقف ديكارت: التصور الجوهراني الماهوي للهوية الشخصية
نلاحظ أن الفرد يستطيع التفكير في الموجودات الماثلة أمام حواسه أو المستحضرة صورتها عبر المخيلة، ولكنه يستطيع أيضا التفكير في ذاته ، في نفسه هذه التي تفكر!!
يسمى هذا التفكير وعيا وهو نفس الوعي الذي اعتمدعليه ديكارت في " الكوجيطو" وخصوصا وعي الذات بفعل التفكير الذي تنجزه في لحظة الشك أي الوعي بالطبيعة المفكرة للذات التي تقابل عند ديكارت طبيعة الإمتداد المميزة للجسم.
تساءل ديكارت في التأمل الثاني: "أي شيءأنا إذن؟ " وأجاب: " أنا شيء مفكر"
ولكن هل وراء أفعال الشك والتذكر والإثبات والنفي والتخيل والإرادة...هل وراءها جوهر قائم بذاته؟
يجيب ديكارت بنعم : إنها النفس، جوهر خاصيته الأساسية التفكير، أي أن للكائن البشري طبيعة خصائصها هي أفعال التفكير من شك وتخيل وإحساس ...وهي مايشكل الهوية الشخصية للكائن البشري، بل إنها صفته الأكثر يقينية، والأكثر صمودا أمام أقوى عوامل الشك
موقف جون لوك:نقد التصور الجوهراني الماهوي: ليست الهوية الشخصية سوى ذلك الوعي أو المعرفة المصاحبة لإحساساتنا
يرى "جون لوك" أن مايجعل الشخص " هو نفسه" عبر أمكنة وأزمنة مختلفة، هو ذلك الوعي أو المعرفة التي تصاحب مختلف أفعاله وحالاته الشعورية من شم وتذوق وسمع وإحساس وإرادة، تضاف إليها الذاكرة التي تربط الخبرات الشعورية الماضية بالخبرة الحالية، مما يعطي لهذا الوعي استمرارية في الزمان
"إذن فلوك" و "ديكارت" مجمعان بأن الشخص هو ذلك الكائن الذي يحس ويتذكر و -يضيف التجريبي لوك- يشم ويتذوق!
ولكنهما يختلفان فيما يخص وجود جوهر قائم بذاته يسند هذا الوعي وهذه الاستمرارية التي يستشعرها الفرد؛، والواقع أن " الجوهر المفكر" -من وجهة نظر المحاكمة الحسية- كينونة ميتافيزيقية لايسع لوك قبولها انسجاما مع نزعته التجريبية التي لاتقر لشيء بصفة الواقعية والحقيقة مالم يكن إحساسا أو مستنبطا من إحساس،
وباختصار فالهوية الشخصية تكمن في فعل الوعي، وعندما يتعلق الأمربالماضي يصبح الوعي ذاكرة بكل بساطة، وكل هذا لكي يتجنب لوك القول بوجود جوهر مفكر، أي أن الهوية لاتقوم في أي جوهر مادي كان أو عقلي، ولاتستمر إلا مادام هذا الوعي مستمرا
موقف دافيد هيوم: النقد الجذري للتصور الديكارتي الماهوي
دافيد هيوم فيلسوف تجريبي، لايعترف بغير الانطباعات الحسية مصدرا أولا للأفكار، وعليه فلكي تكون فكرة ما واقعية، فلابد لها أن تشتق من انطباع حسي ما، والحال أن فكرة "الأنا" أو "الشخص" ليست انطباعا حسيا مفردا، بل هي ماتنسب إليه مختلف الانطباعات. وإذا ما وجد انطباع حسي مولد لفكرة "الأنا" فلابد أن يتصف هذا الانطباع بنفس صفات الأنا وهي الثبات والاستمرارية طيلة حياتنا، والحال أنه لاوجود لانطباع مستمر وثابت: إن الألم واللذة، الفرح والحزن، الأهواء والاحساسات...، حالات شعورية تتعاقب ولاتوجد أبدا متزامنة أومجتمعة. وعليه ففكرة الأنا لايمكن ان تتولد عن هذه الانطباعات ولاعن أي إنطباع آخر، ومن ثم فلا وجود لمثل هذه الفكرة واقعيا، ومن باب أولى ينبغي الامتناع عن أي حديث عن الهوية الشخصية كجوهر قائم بذاته.


ب- الذاكرة والهوية الشخصية

بغض النظر عما إذا كانت الهوية جوهرا قائما بذاته أو تعاقبا لحالات شعورية متباينة، فإن الهوية ليست كيانا ميتافيزيقيا مكتمل التكوين منذ البدأ، إنها سيرورة سيكلوجية تجد سندها المادي في الذاكرة، وعملية تطورية تنشأ تدريجيا بفضل تفاعل الفرد مع الغير
سبق لــ ابن سينا أن لاحظ، في هذا الإطار، بأن فعل التذكر هو الذي يمنح الفرد شعورا بهويته وأناه وبثباتها.ويتجلى هذا واضحا في شعور الفرد داخلياً وعبر حياته باستمرار وحدة شخصيته وهويتها وثباتها ضمن الظروف المتعددة التي تمر بها، كما يظهر بوضوح في وحدة الخبرة التي يمر بها في الحاضر واستمرار اتصالها مع الخبرة الماضية التي كان يمر بها.
إذا كانت الذاكرة هي مايعطي لشعور الشخص بأناه وبهويته مادتهما الخام، فإن امتداد هذه الهوية في الزمان، كما يلاحظ جون لوك، مرهون باتساع أو تقلص مدى الذكريات التي يستطيع الفكر أن يطالها الآن: وبعبارة أخرى إنني الآن هو نفسه الذي كان ماضيا وصاحب هذا الفعل الماضي هو نفس الشخص الذي يستحضره الآن في ذاكرته.
لهذا السبب، وعندما يتساءل برغسون عن ماهية الوعي المصاحب لجميع عمليات تفكيرنا، يجيب ببساطة: إن الوعي ذاكرة، يوجد بوجودها ويتلف بتلفها
ومن الجدير بالذكر أن الوعي بالذات على هذا النحو الأرقى ليس مقدرة غريزية او إشراقا فجائيا، بل هو مسلسل تدريجي بطيء يمر أولا عبر إدراك وحدة الجسم الذي ينفصل به الكائن عما عداه وعبر العلاقة مع الغير.

:الشخص بوصفه قيمة2


استشكالات أولية:
مالذي يؤسس البعد القيمي-الأخلاقي للشخص؟ وهل يمكن فلسفيا تبرير الاحترام والكرامة الواجبة بشكل مطلق للشخص البشري ؟ وما علاقة ذلك بمسؤوليته والتزامه كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية افعالها ؟
يستفاد من المحورين السابقين أن الفرد وبشكل مجرد سابق على كل تعيين - أي وقبل أن يتحدد بطول قامته أو لون عينيه او مزاجه أو ثروته- هو ذات مفكرة، عاقلة، واعية قوامها الأنا الذي يمثل جوهرها البسيط الثابت ، وذلك بغض النظر عن الاختلاف القائم بين الفلاسفة حول طبيعة هذا الأنا وعلاقته بالجسد والانطباعات الحسية والذاكرة...
ولكن مافائدة هذا التجريد النظري على المستوى العملي؟ هل يمكن أن نرتب عليه نتائج أخلاقية ملموسة؟

موقف كانط:العقل أساس قيمة الشخص وكرامته
انطلاقا من هذا التجريد، ذهب كانط بأن الإنسان هو أكثر من مجرد معطى طبيعي، إنه ذات لعقل عملي أخلاقي يستمد منه كرامة أي قيمة داخلية مطلقة تتجاوز كل تقويم أو سعر.إن قدرته كذات أخلاقية على أن يشرع لنفسه مبادئ يلتزم بها بمحض إرادته، هي ما يعطيه الحق في إلزام الآخرين باحترامه أي التصرف وفق هذه المبادئ. ومادام هذا العقل الأخلاقي ومقتضياته كونيا، فإن الأنسانية جمعاء تجثم بداخل كل فرد مما يستوجب احترامه ومعاملته كغاية لاكوسيلة والنظر إليه كما لو كان عينة تختزل الإنسانية جمعاء. وهذا الاحترام الواجب له من طرف الغير لاينفصل عن ذلك الاحترام الذي يجب للإنسان تجاه نفسه،إذ لا ينبغي له أن يتخلى عن كرامته، وهو ما يعني أن يحافظ على الوعي بالخاصية السامية لتكوينه الأخلاقي الذي يدخل ضمن مفهوم الفضيلة، .
لقد كتب كانط هذه الأفكار في "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" في القرن الثامن عشر .وصحيح أن القرن العشرين قد شهد تحسنا كبيرا للشرط البشري مقارنة مع قرن الأنوار: إلغاء الرق، التخفيف من الميز ضد النساء...، بيد أنه عرف أيضا أهوال حربين عالميتين جسدتا واقعيا فكرة الدمار الشامل، إنضافت إليهما حروب محلية شهدت أبشع أنواع التطهير العرقي ومعسكرات الاعتقال... مما جعل التأمل الفلسفي، في القرن العشرين يعاود مجددا طرح السؤال حول حرمة الكائن البشري وسلامته الجسدية وبالخصوص حقه في عدم التعرض للأذى، "

موقف طوم ريغان:قيمة الشخص نابعة من كونه كائنا حيا حاسا
تنتمي فلسفة طوم ريغان إلى التقليد الكانطي، لكن في حين يؤسس كانط القيمة المطلقة التي نعزوها إلى الكائنات البشرية على خاصية العقل، وبالضبط العقل الأخلاقي العملي، التي تتمتع بها هذه الكائنات،بما يجعل منها ذواتا أخلاقية، فإن طوم ريغان يعتبر هذا التأسيس غير كاف، وحجته في ذلك أننا ملزمون باحترام القيمة المطلقة لكائنات بشرية غير عاقلة مثل الأطفال وكذا الذين يعانون من عاهات عقلية جسيمة
وعليه فإن الخاصية الحاسمة والمشتركة بين الكائنات البشرية ليست هي العقل، بل كونهم كائنات حاسة واعية أي كائنات حية تستشعر حياتها، بما لديها من معتقدات وتوقعات ورغبات ومشاعر مندمجة ضمن وحدة سيكلوجية مستمرة في الماضي عبر التذكر ومنفتحة على المستقبل من خلال الرغبة والتوقع...، مما يجعل حياتها واقعة يعنيها أمرها، بمعنى ان مايحدث لها، من مسرة تنشدها أو تعاسة تتجنبها، يعنيها بالدرجة الأولى بغض النظر عما إذا كان يعني شخصا آخر أم لا "
ويمضي توم ريغان بهذا المبدأ إلى مداه الأقصى فبخلص إلى أن جميع المخلوقات التي يمكنها أن تكون «قابلة للحياة»، أي مواضيع لوجود يمكن أن يتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إليها، تمتلك قيمة أصلية في ذاتها وتستحق أن تحترم مصالحها في عيش حياة أفضل..

إذا كان تصور طوم ريغان يتجاوز بعض مفارقات التصور الكانطي، فإنه يثير مفارقات لاتقل عنها إحراجا لأن معيار "الذات الحية التي تستشعر حياتها" يلزمنا بإضفاء قيمة أصيلة مطلقة ليس فقط على الكائنات البشرية، بل وحتى الحيوانات وبالخصوص الثدييات التي سنصبح مطالبين بمعاملتها كغاية لا كمجرد وسيلة!


III-الشخص بين الضرورة والحتمية



استشكالات أولية:
يبدو أن مدار الحديث عن مفهوم الشخص - كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية افعالها - ينحصر في قضيتين: الكرامة والمسؤولية. يشير المفهوم الأول إلى مايحق للمرء النمتع به بوصفه شخصا، بينما يشير المفهوم الثاني إلى ماهو ملزم او ملتزم به أو مطالب به بوصفه شخصا أيضا.
بحثنا المفهوم الأول في المحور السابق. إذا اقتصرنا الآن على المفهوم الثاني، فمن اليسير أن نتصور بأن المسؤولية لاتنفصل عن صفة أخرى وهي الحرية التي يطالب بها الفرد كجزء من كرامته، وهذه المرة أيضا، بوصفه شخصا.
لن نتوقف عند الحريات السياسية لأن المانع دونها جلي واضح، وهو النظام السياسي ومختلف أشكال التضييق والقمع التي يمارسها على حرية الأفراد في التجمع والتعبير، سيقتصر بحثنا فقط على الحرية التي يحاسب الشخص بموجبها أخلاقيا من قبل الغير أو من قبل ضميره الشخصي (تأنيب الضمير) ؛أو تلك الحرية التي تترتب عنها المسؤولية المدنية أو الجنائية والتي بموجبها يحاسب المرء قانونيا أمام العدالة، ذلك أن القاضي ملزم بإثبات خلو الفعل من الإكراه كشرط لإثبات المسؤولية أي توفر عنصر الحرية والاختيار، وبناءا عليه يعرض المتهم نفسه للعقوبات المقررة
هل هذه الحرية المفترضة موهومة، لأن الشخص يرزح تحت وطأة مجموعة من الإكراهات والإشراطات التي لايطالها وعيه أحيانا، أم أن الشخص البشري ليس موضوعا ولاتجوز في حقه مقولات العلم وعلى رأسها الحتمية؟
موقف العلوم الإنسانية: تتمثل الضرورة في خضوع الشخص لحتميات تتجاوز وعيه وتلغي حريته
في المحورين السابقين تمت مقاربة مفهوم الشخص من زاوية الوعي وبشكل مجرد من كل تعيين، بيد أن الكائن البشري بنية سيكوفيزيولوجية وكائن سوسيوثقافي، فلا يسعه الإنفلات من قوانين الفيزيولوجيا والمحددات النفسية والإكراهات السوسيوثقافية.
إن تجاهل هذه الشروط هي مايجعل كل إنسان يعتقد أنه السيد في مملكة نفسه، وأنه من اختار بمحض إرادته بعض ملامح شخصيته،
هناك مذاهب فلسفية كثيرة قامت على فكرة الحتمية الكونية الشاملة فلم تر في الشعور بالحرية سوى وهم ناتج عن جهل بسلسلة العلل والأسباب، وكما يقول اسبينوزا، فإنا الناس يعون حقا رغباتهم لكنهم يجهلون العلل الخفية التي تدفعهم إلى الرغبة في هذا الموضوع او ذاك. وبيدو أن العلوم الإنسانية المعاصرة تقدم دلائل إضافية داعمة للتصور الحتمي السبينوزي،: فالتحليل النفسي مثلا يرى البناء النفسي للشخصية كنتيجة حتمية لخبرات مرحلة الطفولة، كما أن الكثير من الأنشطة الإنسانية تحركها دوافع الهو اللاشعورية ذات الطبيعة الجنسية أو العدوانية. هذا الهو الذي قال عنه "نيتشه": وراء أفكارك وشعورك يختفي سيد مجهول يريك السبيل، إسمه الهو. في جسمك يسكن، بل هو جسمك، وصوابه أصوب من صواب حكمتك"، بل إن بول هودار يذهب إلى حد القول بأن: " كلام الإنسان كلام مهموس له به من طرف الهو، الذي يعبر عن نفسه في الإنسان عندما يحاول الإنسان أن يعبر عن ذاته !!"
أما بالنسبة لعلماء الإجتماع والأنثربولوجيا، فإن طبقات مهمة في الشخصية لاتعدو أن تكون سوى انعكاس للشخصية الأساسية للمجتمع أو الشخصية الوظيفية لجماعة الإنتماء، بحيث يمكن القول مع دوركايم أنه كلما تكلم الفرد أو حكم ، فالمجتمع هو الذي يتكلم أو يحكم من خلاله. وإذا كانت التنشئة الإجتماعية تزود الفرد بعناصر من ثقافة المجتمع، فأن هذه الثقافة بدورها حسب التحليل الماركسي ليست سوى انعكاس للبنية التحتية المستقلة عن وعي الذوات: لأن الوجود المادي هو الذي يحدد الوعي لاالعكس.
حاصل الكلام هو اختفاء الإنسان أو موته كما أعلنت البنيوية، لأن البنيات النفسية الإجتماعية اللغوية... هي التي تفعل وليس الذات أو الفرد. هل يمكن بعد كل هذا الحديث عن الإنسان كما نتحدث عن ذات أي عن كائن قادر على القيام بعمل إرادي؟ هل للسؤال "من أنا " بعد من قيمة؟ !!

موقف سارتر ومونييه:إن كون الكائن البشري شخصا هو بالضبط مايسمح له بأن يبارح مملكة الضرورة؟

رغم كل ماذكر فإن الإنسان لازال يقنع نفسه بأن له شيئا يفعله، شيئا يبقى عليه أن يفعله. إن النظر إلى الشخص باعتباره ذاتا ووعيا يمكننا من القول بأن وعي الإنسان بالحتميات الشارطة يمثل خطوة أولى على طريق التحرر من تأثيرها وإشراطها المطلق، لقد اشتقت الوجودية مقولة " أسبقية الوجود على الماهية " من خاصية الوعي،، لأن الإنسان ليس وجودا في ذاته كالأشياء، بل وجودا لذاته: يوجد ويعي وجوده، مما يجعل وجوده تركيبة لانهائية من الإختيارات والإمكانيات؛ وعلى عكس الطاولة أو الشبل اللذان يتحدد نمط وجودهما بشكل خطي انطلاقا من ماهيتهما القبلية، فإن الإنسان مفتقر إلى مثل هذه الماهية التي قد تسمح بتعريفه أو الحديث عن شخصيته على نحو قبلي مسبق. صحيح أن الفرد يحيا على الدوام لا في المطلق، بل في وضعية محددة اجتماعيا وتاريخيا، لكن ردود أفعاله واختياراته لاتحددها هذه الشروط الموضوعية وحدها، بل وأيضا المعنى الذاتي الذي يفهم بموجبه هذه الشروط والأوضاع مما يفسح مجالا واسعا للحرية وانفتاح الممكنات. من هنا نفهم تصريح سارتر بأن الإنسان مشروع في سماء الممكنات، محكوم عليه بأن يكون حرا، وبان الإنسان ليس شيئا آخر غير مايصنع بتفسه.
ونستطيع استثمار أطروحة سارتر التي أتينا على ذكرها للقول بأن الإنسان ليس آلة إلكترونية، حتى لو أضفنا لها صفات الذكاء والصنع المتقن كما يقول إيمانويل مونييه الذي يرفض كل اختزال للشخص إلى شيء أو موضوع لأن البشر ليسوا صنفا من أشجار متحركة أو جنسا من حيوانات ذكية بمعنى أن كل المعرفة الوضعية التي راكمتهاالعلوم الإنسانية لا يمكنها أن تستنفذ حقيقة الشخص الذي يظل أكثر من مجرد شخصية أي أكثر من مجرد نظام سيكوفيزيولولجي وسوسيوثقافي
نلاحظ أن وجودية سارتر وشخصانية مونييه يتقاطعان في رفض الخطاطة التبسيطية التي تجعل الشخص والظاهرة الإنسانية عموما ظاهرة خاضعة على غرار الظواهر الطبيعية لمقولات العلم الموضوعي وعلى رأسها الحتمية، إن الإنسان بالنسبة لفلاسفة الحرية تجربة ذاتية منغرسة في العالم لاتتوقف عن إبداع نفسها ولكن تقول العلوم الإنسانية: إنه لايبدع ولايعبر إلا عن مجمل الشروط التي يتلقى!

خلاصة عامة للدرس:
إذا كان لابد من خلاصة تجمع أطراف موضوع متشعب كموضوع "الشخص"، فسنقول بأن الشخص، تلك الوحدة الصورية، ذلك الكائن المفكر العاقل والواعي...إلخ ينطوي في المستوى المحسوس على شخصية هي حصيلة تفاعل بين عوامل باطنية وأخرى متعلقة بالمحيط الخارجي، إنها ذلك الشكل الخاص من التنظيم الذي تخضع له البنيات الجسمية، النفسية والإجتماعية. صحيح أن هذا التنظيم يخضع لعوامل ومحددات موضوعية كثيرة، لكن ذلك لايلغي دور الشخص في بناء شخصيته. وإذا ما بدا موضوع الشخص إشكاليا متعدد الأبعاد، فماذلك إلا لأن دراسة الشخص ليست إلا إسما آخر لدراسة الإنسان بكل تعقده وغموضه



مفهوم الغير
تقديم إشكالي:
إن كون الشخص أنا وعية حرة مسؤولة أخلاقيا و قانونيا ، أي ذات تملك الوعي و الحرية إرادة لا يعني انه قادر على العيش وحيدا منعزلا على الآخرين . فالشخص كائن اجتماعي لا يستطيع العيش خارج الجماعة بل هو في حاجة إليها لتحقيق ذاته و الوعي بها . فالغير ضرورة ملحة بالنسبة للأنا فحضوره مسألة أساسية و ملحة لإكمال وعي الأنا بذاتها و الوعي بوجودها . فكيف يتحدد وجود الغير إذن هل يمكن للأنا أن تعيش بمعزل عن الغير أم أن وجوده مشروط بوجود الغير ؟
هل يمكن معرفة الغير ؟ هل معرفته ممكنة أم مستحيلة ؟ ماهي طبيعة العلاقة بين الأنا و الغير ؟
هل هي علاقة تكامل و تواصل أم علاقة تنافر وصراع؟

- العدم : عكس الوجود (لاشكل و لا لون، غير محدد ....)
- الوجود بالذات ، الوجود المادي كشيء .كموضوع دون وعي.
- الوجود للذات ، الوجود الواعي كذات واعية تعني وجودها ووجود الغير و العالم الخارجي

وجود الغير:
إن وجود الغير يجد جذوره في الفلسفة اليونانية من خلال مجموعة من المفاهيم التي أنتجتها مثل مفهوم التطابق أو الهوهو في مقابل الاختلاف و الوحدة في مقابل الكثرة أن اليونان لم يبلوروا مفهوم الغير باعتباره أنا اخربل اعتبروه كل ما ليس ومخالف للذات . فالتقابل بالنسبة إليهم كان بين اليونان من جهة و الشعوب الأخرى وبين الإنسان و العالم الخارجي .
فلم يتبلور هذا المفهوم بالمعنى الحديث إلا مع فلسفة هيكل في مقابل الفلسفة الذاتية لديكارت .

+ أطروحة ديكارت : الفلسفة الذاتية
يؤكد ديكارت أن وجود الإنسان كقوة فاعلة متميزة عن غيرها من الكائنات لا يتحقق إلا بملكة التفكير التي تتيح له الوعي بذاته و بالآخرين. فالتفكير دليل وجودي على وجود الذات ما دام الشك تفكير وما دام التفكير لا يمكن أن يصدر إلا عن ذات موجودة "أنا اشك ،أنا أفكر ، إذن أنا موجود " و الشك عند ديكارت منهجي فهو سبيل إلى اليقين و الشك تفكير و التفكير دليل على وجود الذات . وبهذا يخلص ديكارت إلى أن الأنا أفكر " COGITO حقيقة يقينية بديهية يقينية لا يمكن الشك فيها و ليست في حاجة إلى وساطة الغير لإثباتها مما يجعل الأنا عند ديكارت حقيقة يقينية و ذات منعزلة مستقلة ومنغلقة أما الغير فوجوده افتراضي احتمالي . فالأنا تعي ذاتها بذاتها وتدرك وجودها من تلقاء ذاتها لذلك فالأنا ليست في حاجة إلى وساطة الغير لتأكيد وجودها ووعيها بذاتها
لكن أليس عدم اليقين من وجود الغير ، هو عدم يقين من وجود الذات و عدم امتلاك وعي كامل بها ؟

أطروحة هيجل HEGEL
ادا كان ديكارت يعتبر الأنا ذاتا منغلقة منعزلة مستقلة عن الآخرين تكفي بذاتها مما يجعلها كيانا ميتافيزيقيا مجردا مطابقا لذاته يعيش في عزلة مطلقة عن العالم و الآخرين . فإن هيجل خلافا لذلك يعتبر الأنا ليست معرفة جاهزة أو معطى طبيعي فمعرفته لذاته لا تتحقق إلا من خلال الغير عبر الانفتاح وتجاوز التقوقع و الانغلاق. فالأنا تغادر انغلاقها لتنفتح على الغير لتنتزع منه الاعتراف بها كذات واعية حرة . إلا أنها تصطدم برغبة الغير الذي يرغب في نفس الرغبة أي انتزاع الاعتراف به كذات واعية حرة مما يؤدي إلى أن يغامر كل منهما بحياته في عملية صراع ينتهي بتنازل احد الطرفين عن حريته و إرادته حفاظا على حياته ، فيقبل أن يتحول إلى موضوع وشيء أي إلى أداة فيكون وجوده من اجل الآخر أي وعيا خاضعا تابعا (أي عبدا) بينما يتشبث الطرف الآخر بحريته و إرادته ويفضل الموت عن التنازل عنهما فيكون وجوده وجودا لذاته فيتحقق وعيا خالصا وبذلك يكتمل وعيه بذاته .

استنتاج
- إذن فالوعي بالذات يتطلب تجاوز انغلاق الذات على ذاتها و الخروج نحو الآخر و الانفتاح عليه لأن وعيها لا يكتمل إلا باعتراف الآخر و بذلك فوجود الغير ضروري لوجودالأنا و مكون له و ليس مجرد وجود افتراضي احتمالي كما يرى ديكارت .
- نص جون بول سارتر.
الإشكال الذي يجيب عنه النص كيف يتحدد وجود الغير بالنسبة للانا هل وجود الغير ضروري لوجود الأنا؟

أطروحة النص
- خلافا لديكارت يؤكد سارتر أن وجود الغير ضروري لوجود الأنا فمن خلال الغير يدرك الأنا وجوده ويعيه ويدرك قيمته فالغير ليس شيئا أو موضوعا كباقي الأشياء إنما هو ذات واعية حرة ، أي أنا آخر أو الأنا الذي ليس أنا مما يجعله مكون للأنا وشرط ضروري لوجوده لكن العلاقة مع الغير هي علاقة صراع ونفي، فكل منهما يتحول تحت نظرة الآخر إلى موضوع و شيء لكن الأنا في حاجة إلى الغير . ومن خلال تجاوز تلك النظرة و التعالي عليها يحقق الأنا وجوده وحريته ليصبح اللقاء بين الأنا و الغير لقاء بين حريته وحرية ومن خلال هذا اللقاء وهذه المواجهة يحقق الأنا ذاته كذات حرة متعالية البنية الحجاجية .
- يوظف النص أسلوبا حجاجيا يعتمد آلية الإثبات و التأكيد فهو يؤكد أن وجود الغير ضروري لوجود الأنا كما يوظف آلية النفي حيث ينفي إمكانية استغناء الأنا عن الغير لإثبات وجوده و إدراكه وقد وضح ذلك اعتمادا على أمثلة .
استنتاج
- إذا كان ديكارت قد انطلق من تجربة الشك ليضع الأنا الذي يشك أي يفكر في عزلة وجودية مطلقة لا تحتاج إلى وساطة الآخرين و العالم الخارجي لإدراك وجوده و الوعي به فالأنا أفكر حقيقة يقينية في حين يعتبر وجود الغير وجودا احتمالي افتراضي و إذا كان هيكل يعتبر أن اكتمال وعي الأنا بذاته يقتضي خروجا للذات من انغلاقها و انفتاحها على الغير لانتزاع الاعتراف بها منه كذات واعية حرة . إلا أن هذه الرغبة تصطدم برغبة الغير فهو يرغب في نفس الرغبة أي انتزاع الاعتراف به كذات واعية حرة. مما يؤدي إلى الصراع والمواجهة و المغامرة بالحياة لينتهي هذا الصراع بتنازل احد الطرفين عن حريته وإرادته فيقبل حفاظا على حياته ليتحول إلى موضوع وشيء أي أداة فيكون عبدا . أما الطرف الثاني يفضل الموت على التنازل عن حريته وإرادته فيكون سيدا أي وعيا خالصا.
وهذا ما يسبب هيجل جدلية العبد و السيد أما سارتر فيؤكد أن الغير ليس شيئا وموضوعا بل هو أنا آخر أي الأنا الذي ليس أنا ، فوجوده شرط ضروري لوجود الأنا فلا يمكن للانا أن يعي وجوده وقيمته إلا من خلال الغيرو بواسطته ، غير أن نظرة الأنا للغير تحوله إلى موضوع وشيء ونفس الشيء بالنسبة لنظرة الغير للأنا مما يؤدي إلى علاقة صراع ومواجهة من خلالها يتمكن الأنا من تحقيق حريته و التعالي على وجوده لكل هل معرفة الغير ممكنة ام مستحيلة ؟يقينية ام تقريبية ؟
نص مالبرنش EMALABRANCHE
- السؤال الذي يجيب عنه النص هل يمكن للانا معرفة الغير معرفة يقينية ؟
أطروحته
يؤكد مالبرانش أن معرفة الغير من طرف الأنا هي معرفة تخمينية تقريبية و ليست معرفة يقينية . لأن الأنا لا يستطيع أن تنفذ إلى أعماق الغير لإ دراك حقيقة مشاعره وعواطفه و أحاسيسه وانفعالاته ، فهو يقوم بعملية إسقاط أي يسقط عليه ما يحس به ويشعر به انطلاقا من مبدأ المماثلة وبذلك يخلص مالبرانش إلى أن معرفة الأنا للغير تظل معرفة تقليدية احتمالية وليست يقينية.
البنية الحجاجية:
يوظف النص أسلوبا حجاجيا يعتمد عى صيغتين، صيغة العرض و التوضيح و الاستدلال بالأمثلة .
لكن هل معرفة الغير فعلا مستحيلة،ألا يمكن أن تكون هناك معرفة يقينية ممكنة انطلاقا من التواصل معه ومشاركته للوجدانية ؟
نص ميرلوبونتي :
الإشكال الذي يجيب عنه النص :
هل يمكن للانا معرفة الغير من خلال التواصل معه ومشاركته وجدانيا وعاطفيا؟

أطروحة النص
يؤكد ميرلوبونتي خلافا لما لبرنش أن معرفة الأنا للغير ممكنة وليست مستحيلة فكل منهما يمتلك جسدا ووعيا ويتقاسما الوجود في نفس العالم مما يفرض على كل منهما الاعتراف بالآخر و التواصل معه، ولعل اكبر دليل على هذا التواصل هو اللغة وبذلك يستطيع كل طرف منهما أن ينفذ إلى أعماق الآخر ويشاركه عاطفيا ووجدانيا وهكذا تصبح معرفة الأنا للغير ممكنة وليست مستحيلة، يقينية وليست تخمينية و أن العلاقة معه ليست دائما علاقة صراع ونفي وعذاب بل قد تكون أيضا علاقة اعتراف وتواصل وصداقة مما يجعل هذه العلاقة غنية ومتعددة. فما هي إشكال هذه العلاقة إذن وما هي الاسسس التي تقوم عليها ؟



نيكولاس مالبرانش : فيلسوف فرنسي من إتباع العقلانية الديكارتية 638 م رجل لا هوت وفلسفته من مؤلفاته – البحث عن الحقيقي – تأملات ......
الغيرية : تميل نحو الغير وتضحية بالمصلحة الشخصية من اجله فهي نكران الذات ، و الإيثار // الأنانية و الذاتية ALTRMISMé




العلاقة مع الغير:
هل علاقة تكامل وتواصل أم علاقة صراع وتنافر؟
نص أرسطو : الإشكال : هل يمكن للعلاقة بين الأنا و الغير أن تقوم عل أساس الصداقة ؟ وماهي أشكال و أنواع هذه الصداقة ؟

أطروحة النص
يؤكد أرسطو أن الصداقة ضرورة بشرية لا يمكن الاستغناء عنها ويصنفها إلى ثلاثة أنواع : صداقة المتعة وصداقة المنفعة وكلاهما مجرد وسيلة لتحقيق المتعة أو المنفعة مما يجعل هذا النوع من الصداقة صداقة زائفة زائلة فهي تزول بزوال المتعة و المنفعة أما النوع الثالث فهي صداقة الفضيلة وهي الصداقة الحقيقية لأنها غاية في حد ذاتها لأنها تؤسس على محبة الآخر لذاته مما يجعلها صداقة مبنية على الفضيلة و المحبة و الوفاء وهي صداقة دائمة مستمرة لأنها غاية وليست وسيلة إلا أنها ناذرة. فلو كانت شائعة بين الناس لاستغنوا عن القوانين و التشريعات لما يترتب عنها من علاقة أساسها المحبة و الاعتراف المتبادل و الاحترام .
فإلى أي حد يمكن للعلاقة مع الغير أن تتأسس على المحبة و الاعتراف المتبادل و التضحية ونكران الذات؟

* نص اوغست كونت
الإشكال الذي يجيب عنه النص : إلى أي حد يمكن أن تقوم العلاقة بين الأنا و الغير على نكران الذات والتضحية و الغيرية .
* أطروحة النص
يؤكد اوغست كونت أن العلاقة مع الغير إذا تأسست على الغيرية ونكران الذات و التضحية من اجل الغير فإن ذلك يؤدي إلى ترسيخ مشاعر التعاطف و المحبة بين الناس فتحقق الإنسانية غاياتها الكبرى وهي نشر قيم العقل و العلم و التضامن و الاستقرار مما سيسمح بتطوير الوجود البشري . فالغيرية فضيلة أخلاقية وقيمة مثلى يتجاوز فيها الإنسان أنانيته وذاتيته وينتصر على غريزته فيحيى من أجل غيره وبذلك تنشأ بين الأنا و الغير علاقة نبيلة تقوم على نكران الذات و التضحية .

* استنتاج
إذا كان أرسطو يؤكد أن الصداقة ضرورة بشرية لا يمكن الاستغناء عنها لأي كان كيفما كان فالإنسان في حاجة ماسة إلى صديق يشاركه أحزانه و أفراحه وإذا كانت الصداقة الحقيقية هي الصداقة المبنية على المحبة المتبادلة وعلى الفضيلة الأخلاقية مما يجعلها غاية وليست مجرد وسيلة لتحقيق المنفعة أو المصلحة مما يجعل هذه الصداقة تساهم في نشر القيم الأخلاقية السامية بين الأفراد . فإن اوغست كونت يؤكد أن الإنسانية تقوم على الغيرية وتجاوز ذاتيته ونكرانها من اجل التضحية من اجل الغير وبذلك فالعلاقة مع الغير ليست مجرد علاقة صراع ومواجهة ونفي وتنافر بل قد تقوم كذلك على الاعتراف المتبادل و التواصل و الاحترام و الصداقة بل و التضحية من اجل الآخر مما يجعل العلاقة مع الغير متعددة الأبعاد متنوعة ومختلفة وغنية لا يمكن اختزالهما في شكل دون آخر لأن الإنسان ظاهرة متعددة الأبعاد


" مفهوم التاريخ "


أ‌- الإنسان ككائن تاريخي:

لا شك أن البعد التاريخي يمثل إحدى المميزات الأساسية التي يتسم بها الوجود البشري. فالإنسان ، بخلاف بقية الكائنات ، لا يعيش منغلقا في لحظته الحاضرة فقط ، بل يستطيع العودة إلى الماضي لتمثل حوادثه أو التوجه نحو المستقبل لتجسيد طموحاته.. لذلك نجده قد سعى- منذ القدم- إلى تدوين ماضيه بغرض الحفاظ على تراثه أو أخذ العبرة منه ؛ وهو ما يؤكد أن اكتشاف الكتابة قد مثل عاملا حاسما في ظهور عملية التأريخ لماضي الإنسان.

ب‌- موضوع ومنهج التاريخ:

يندرج الـتاريخ ضمن حـقل العـــلوم الإنـــــسانية لكونه يــــتناول الحادثة التاريخية باعتــــبارها ظاهــرة تحـمل دلالـــة إنــــسانية ،أي تـدل عــلى ما حـدث للإنــسان في الماضي وتـرك أثــره فيه، سـواء كــان هذا الحادث طبيعيا (فيضان- زلـزال..)،أو اجتماعيا سيـاسـيا (ثـورة-حـرب..)،أو فـكريا فـنيا(إبداعات...) .

فــالـتاريخ ، إذن ، عـلم يـنصب عـــلى مـاضي الإنسان، ويمـثل بذلك محـــاولة لاستـعادة حـــدث فـريد زال وانـقضى، وذلك مـن خـلال اســــــتنطاق الآثـار والوثائق المرتبطة به..ومعنى ذلك أن الحـادثة التاريخية لا يـتم التـعرف عليها بشــــكل مباشـر، بل يعـتمد المـؤرخ عـلى المــــخلفات الدالـــــة علـــــــيها، سـواء كانت "إرادية" خلفـها الإنسان كشاهد عليه للأجـيال اللاحـقة (مذكرات- خـطب- محاضر..)، أو "غير إرادية" كـانت موجهة نــــــــحو تلــــبية أغــــــراض أخـــرى (أدوات- بنــايات- مواضـــــــيع أدبـــية وفــــــنية..)...ومـــــــن هنا تـتبـــين صــــــعوبة عــمل المؤرخ الــــذي يحــــــــــــاول اســـــــــترجاع الماضي بــناء عـــــلى ما تـــخبر به الوثــــيقة أو الأثــــر،حيث يقتضي المنهج التاريخي ممارسة نقد مزدوج، أحدهما خارجي يتوجه إلى مظهر أو شكل الوثيقة للتــــأكد من ارتـباطها بالمرحلة المدروسة (مـــادة الورق ونـوع الحـبر والأســلوب والخـط...)،مســــتعينا في ذلك بعــــدة تخصصات علـمية أهمها عـلم الكتابة القديمة وعـلم الآثار القديمة ؛ والآخر باطني ينصب على مضمون الوثيقة ومدى نزاهة الرواة أو الشهود...

قضـايا وأطـروحـات :

واجهت العـلوم الإنــــسانية، بفعل نشــــأتها المتأخرة ،مشــــكلة "العلمية" تحت تأثــــير النموذج التجريبي الذي حـقق تقدما باهرا في مجال العـــلوم الطبيعية (فيزياء ق 18) ، حيث انقســــمت الآراء بين معترض على إمكانية قـيام علوم إنـــسانية بدعـــوى استحالة تطـــبيق خطـــوات المنهج التجريبي (الملاحظة والتجريب...) وتعذر استيفاء شروطه (الموضوعية)؛ وبين مؤيد لمشروعية هذه العلوم بحجة "الخصوصية" التي تميز الظواهر الإنسانية ،والتي تستلزم مناهج ملائمة لها..

مـن هـذا المنطلق، نجد أن عـلم الــتاريخ قد شكل مجـالا لإثـارة عـــدة قضــــــــــايا "إبستـــمولوجية" ترتـبط بإمـكانيـة قـــيام معـــــرفة تاريخـية عـلمية - موضوعية ،إضـــــــافة إلى قضـــايا تـــــندرج ضـــــمن"فــــــلسفة الـــــتاريخ"، كطــبيعة حركـــة التــــــاريخ وغـــايته أو دور الإنسان في صــنع التاريخ...فإلى أي حــد يمكن أن تكــون مــــعرفة التـــاريخ علمية - موضوعية ؟..وكيف يتحدد منطق التاريخ أو سيرورته وغايته؟..وإلى أي مـدى يكـــون الإنســـان فـــاعلا في صنـع التــــاريخ؟

المحور الأول : المعرفة التاريخية

تميز مجال "الإبستمولوجيا" بإثارة عدة قضايا منهجية حول مدى إمكانية قيام علوم إنسانية ترقى معارفها إلى مستوى موضوعية ودقة الحقائق التي أنتجتها العلوم الطبيعية أو" الحقة ".وقد شكلت مسألة " الموضوعية " وجها بارزا لهذه الإشكالية، وخصوصا في مجال المعرفة التاريخية...

فالتاريخ، بوصفه معرفة تنصب على ماض زال وانتهى ،مثل ميدانا مناسبا لطرح هذه المسألة، إما بهدف إثبات تعذر قيام معرفة علمية بالتاريخ بسبب انتفاء شرط الموضوعية ، أو بغاية التأكيد على خصوصية تفرض اعتماد معايير أخرى تناسب طبيعة المجال وتوفر،بالتالي،العلمية المنشودة للمعرفة التاريخية.

ونصادف، بصدد تحديد طبيعة وقيمة المعرفة التاريخية ،أطروحات تدافع عن إمكانية بناء معرفة علمية بالتاريخ من خلال التأكيد على أن الصعوبات الموضوعية والذاتية التي تكشف عن الطابع المحدود والنسبي لهذه المعرفة لا تمثل مدعاة للطعن في مشروعية المعرفة التاريخية بقدر ما تكشف عن الخصوصية التي تميز هذا المجال.

ماكس فيبر:(1864/1920)

وفي هذا السياق يندرج موقف "ماكس فيبر" الذي يعتبر أن الحوادث التاريخية- التي تشكل موضوع عمل المؤرخ- تتميز بالكثافة من جهة،الشيء الذي يطرح صعوبة الإحاطة بها مهما بلغ المنهج المعتمد من صرامة..ومن جهة أخرى،تمثل وقائع الماضي حوادث متفردة لا تسمح بالتوصل إلى قوانين ثابتة كما هو الشأن بالنسبة للعلوم الحقة (مشكلة انتفاء تكرار الحوادث وتعذر التعميم).

وإضافة إلى هذه الصعوبات الموضوعية النابعة من طبيعة الواقع التاريخي، يؤكد" ماكس فيبر" على أهمية البعد الإيديولوجي- كعامل ذاتي – في توجيه عملية التفسير التي يقدمها المؤرخ للتاريخ، وذلك من خلال انتقائه للعوامل أو الأسباب المفسرة لحوادث الماضي، حيث تتدخل القيم والأحكام الذاتية في إعطاء الأولوية لعامل على آخر..

وهكذا ينتهي هذا التصور إلى اعتبار أن المعرفة التاريخية لا يمكن أن تكون تامة فضلا عن امتزاجها بذاتية المؤرخ أو نظرته الخاصة.

ريمون آرون:(1905/1983)

في نفس الإتجاه، يركز"ر- آرون" على عائق المسافة الزمنية التي تفصل الماضي الذي يراد استعادته عن الحاضر المعيش. فالواقع الذي نعيشه ندركه بطريقة تلقائية ؛ أما الماضي الذي لم نعشه فيتعذر فهم دلالات أحداثه. وينجم عن ذلك أن المعرفة التاريخية تظل صعبة المنال في شموليتها،ولا يمكن إلا أن تكون نسبية محدودة..كما أن جدلية الماضي والحاضر هذه قد تجعل المؤرخ متأثرا بواقعه الإجتماعي في فهم دلالات الماضي (العامل الإيديولوجي). ويقول"ر- آرون" عن ذلك: " لم تعد المعرفة بالتاريخ قائمة علىقص ما حدث نقلا عن وثائق مخطوطة ، ولكنها قائمة في ما نريد أن نكتشفه ".

بول ريكور: (1913/2005)

نصادف طرحا آخر يحاول إضفاء المشروعية العلمية على التاريخ عند "ب-ريكور" الذي يؤكد على "الخصوصية" التي تطبع المعرفة التاريخية بوصفها معرفة لا تنصب على معطيات جاهزة مثل العلوم الحقة، بل هي معرفة يتم بناؤها اعتمادا على منهج خاص يقوم على استنطاق مخلفات الماضي وتحويلها إلى وثائق "دالة" بناء على منهج دقيق يمارس من خلاله المؤرخ الملاحظة والنقد..وهذه الممارسة المنهجية لا تختلف ،من حيث قيمتها، عن المنهج المعتمد في العلوم الحقة، مع تميزها بخصوصية تستوجبها طبيعة الظاهرة التاريخية.

أما عن الموضوعية المتوخاة في المعرفة العلمية، فيؤكد "ب-ريكور" على أن خصوصية موضوع التاريخ ومنهجه تقتضي النظر إلى المعرفة التاريخية من خلال معيار لا يخضع ،بشكل مطلق،للمعنى المتعارف عليه في العلوم الحقة حول مبدأ الموضوعية. فالمعرفة التاريخية لا تخلو من الذاتية التي تتمثل في ترجيح المؤرخ لعامل مفسر على آخر. ومن ثم، بدل التمسك بمطلب الموضوعية التامة التي تضفي على المعرفة سمة الإطلاق، ينبغي اعتبار المعرفة التاريخية نسبية يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي. والمعرفة التاريخية ينبغي لها أن تنصرف عن الرغبة في الموضوعية إلى البحث عن ذاتية "جيدة" تسعى إلى جعل التاريخ معرفة ممكنة.

وعــموما، يتضـــــح أن المـــــعرفة التاريخية قــد لا تكون تـــامة وموضوعية بالـــنظر إلى العـــوائـــق المنهجية - الموضوعية والذاتية - التي تؤكد عليها التصورات السابقة...غير أن ذلك لا ينفي كونها معرفة لا تخلو من شروط العلمية بالنظر إلى الخصوصية التي تميز موضوع ومنهج التاريخ .

المحور الثاني : التاريخ وفكرة التقدم

بالإضافة إلى ما تطرحه المعرفة التاريخية من إشكالات منهجية ذات طبيعة إبستيمولوجية (الموضوعية..)،نجد في مجال"فلسفة التاريخ" قضايا أخرى ترتبط بالمنطق الذي يحكم حركة التاريخ أو سيرورته، وبدور الإنسان في التاريخ..ومن أهم المواقف في هذا الإطار:

فريديريك هيجل:

تقوم فلسفة "هيجل" على مفهوم "الديالكتيك" الذي يحدد من خلاله طبيعة الحركة الجدلية التي يخضع لها الواقع بكل مستوياته (القضية- النقيض- التركيب). وهي حركة تسير عليها الطبيعة في نموها، كما يسير عليها العقل في نشاطه المعرفي. فالصيرورة ،أي الانتقال من حال إلى آخر انتقالا جدليا، هي القانون المتحكم في حركة الكون والعقل والتاريخ. والغاية النهائية لهذه الحركة هي تحقيق المطلق أو إرادة الروح الكلية أو المطلقة..

وبناء على تصوره الجدلي، يرى"هيجل" ،في فلسفته التاريخية، أن تاريخ الإنسانية يسير وفق هذا القانون الذي يعكس إرادة الروح الكلية التي تتخذ من عظماء الأمم وأبطالها أدوات لتحقيق المطلق. فكل أمة تتمكن من السيطرة ،في فترة زمنية معينة، تكون أداة لاشعورية تعبر عن إرادة الروح الكلية،إلى أن تتسلم أمة أخرى زمام القيادة في إطار تحقيق الحرية والتقدم وفقا لمشيئة الإرادة الإلهية.

كارل ماركس:(1818/1883)

لقد أخذ"ماركس" مفهوم الجدل(الديالكتيك)عن"هيجل"رافضا نزعته المثالية التي تجعل من الفكر(الروح الكلية)أساسا وغاية للوجود..فصيرورة التاريخ عند"ماركس" محكومة بالتناقض المادي بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وهو تناقض ينشأ عنه صراع اجتماعي أو طبقي يؤدي إلى التحول من نمط إنتاج إلى آخر في إطار حركة جدلية تطورية يتحقق عبرها النمو والتقدم. وذلك أن كل نمط إنتاج يحتضن في جوفه عناصر متناقضة تدخل في صراع ينتهي بالإنتقال إلى نمط جديد يمثل مرحلة أكثر تقدما.

م/ ميرلو- بونتي:

يرفض"ميرلو- بونتي" التصور الذي يقوم على الإعتقاد بأن التاريخ يحكمه منطق معين يجعله يسير في اتجاه محدد أو يسعى نحو غاية مرسومة . فالقبول بفكرة التقدم الضروري أو الحتمي في حركة التاريخ يضفي على التاريخ البشري صبغة برنامج محدد سلفا، ويسقــــطنا في نزعة لاهوتية (ثيولوجية) بعــــيدة كل البعــد عن العقلانية..ومن هنا، يجب عدم إغفال "العرضية" في مسار التاريخ، والتي تتجلى في تعدد الإمكانيات التي تنفتح عليها حركة التاريخ، بحيث لا يعود ما يسمى بمنطق التاريخ سوى إحدى هذه الإمكانيات.

ك- ل- ستراوس:

من المعروف أن المنظور الأنتربولوجي يقوم على التأكيد على مفهوم الإختلاف في مقاربته للثقافات البشرية المتنوعة، معتبرا أن القيمة الحقيقية لكل ثقافة تكمن في ما يميزها من اختلاف وليس في درجة تقدمها التقني..ولا يخفى البعد النقدي لهذا التصور تجاه المركزية الأوربية التي تضفي على النموذج الغربي طابعا كونيا يفرض نفسه ،كمسار تاريخي حتمي، على بقية المجتمعات...

ومن هذا المنطلق، يرفض"ل- ستراوس" فكرة التقدم في التاريخ لكونها تنطوي على الإقرار بتصنيف أو ترتيب يسلم بهيمنة النموذج الغربي في التطور؛ هذا في حين أن المجتمعات ليست مـلزمة باتــباع نـفس المســار التــطوري للغرب بدعـــوى ضرورة التـــقدم، بل ينبــغي احترام الإختلافات الثقافــية التي تضــفي على فكرة التقدم طـــــابع النسبية... ونجد توضيحا لهــــذا الموقف في قــول "ل- ستراوس" : "كل مجتمع يتقدم من زاوية ما ويأسن أو يرتكس من زوايا أخرى. إن ما لا أعــتقد فيه هـو أن يمكن تنظـيم وتصنيف المجتمعات الإنــــسانية على ســــلم وحــيد للتـقدم،حيث يحتل كـل مجتـــمع مكانا قــبل أو وراء المجتمعات الأخرى. ليس هناك نظام علمي للتقدم. لا أعتقد أن هناك اتجاها للتاريخ".

هكذا، يتبين أن التاريخ يطـــرح إشكالا نظريا انقسمت بصدده فلسفات التاريخ إلى تصورات تعـــــتبر حركة التاريخ خاضعة لمنطق خاص يرمي إلى تحقيق التقدم سعيا وراء غايات قد تتمثل في بلوغ المطلق وفــقا لإرادة الروح الكلية (هيجل)، أو في الوصول إلى المجتمع الشيوعي الذي ينتفي فيه التناقض ويغيب فيه الصراع الطبقي (ماركس)...وتصورات تعترض على فكرة التقدم الخطي الهادف إلى غاية نهائية، إما بالتأكيد على عــدم استــــبعاد الصـدفة والعرضية في النــظر إلى حركـــة التاريــــخ (ميرلو- بونتي)، أو بتنسيب فكرة التقدم من خلال الإصرار على شرط احترام الإختلاف أو الخصوصية الثقافية (ستراوس).

المحور الثالث : دور الإنسان في التاريخ

تحتضن فلسفات التاريخ،أيضا،تصورات حول دور الإنسان في صنع التاريخ وتوجيه مساره نحو أهداف معينة..فهل يتحدد الإنسان كصانع للتاريخ وفقا لإرادته،أم أنه يخضع لقوى أخرى تعد المسؤول الحقيقي عن حركة التاريخ وغايته ؟

هيجل:

في ظل هذا التصور المثالي الذي يقوم على الإعتقاد بوجود "روح كلـية"تســـــري في الــكون وتتــــــحكم في حركــــة وغــــاية التاريخ، يمـثل الإنـسان أداة فـي يـد هذه القوة التي تستخدمه من أجل تحقيق المطلق. وهي تختار من الناس الأبطال والعبــاقرة لكونهم يجســـدون، أفضـل من غــيرهم، الغايات التي تــرمي إليها الإرادة الإلــهية، فيــــــكون دورهم هـــو تحقــــيق التقدم في انسجام مع غاية الروح الكلية في بلوغ المـطلق...فالإنـسان ليس سوى وسيلة في يد التاريخ وليس صانعا له إلا بالمعنى الهيجلي الذي يتـجلى في تنــفيذ برنامج محـدد سلفا من قبل الروح الإلهية المطلقة. وأما اعتقاد الإنسان في كونه صانعا للتاريخ، فليس سوى وهما أو خداعا ومـــكرا من التاريـــــخ ..!

ماركس:

تركــــز الماركسية على الدور الأســـــاسي للصراع الطـــــبقي كمحرك للتـــــاريخ، حيث تغــــــدو الطبــقة الإجتماعية (المستغلة أو المحكومة) فاعلا أو صانعا للتاريخ عندما تدخل في صراع مع الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج من أجل إحداث تغيير ثوري ينجم عنه التحول إلى نمط إنــتاج جديـــد أكثر تقدما من النمط السابق.غير أن بلوغ الصراع الطبقي مســـتوى التغــــيير الـثوري يتوقـف،أيــــضا،على نضج الشروط الموضوعية المتمثلة في بلوغ التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقاته درجة التغيير الكيفي..ومعنـى ذلك أن التغيير الثوري لا يخضع لإرادة الأفراد فقط، بل يظل رهــــينا بتوفر الشروط المادية(اقتصادية بالخصوص)، مما يؤكد أن تأثير الإنسان في حركة التاريخ لا يـتم بحرية كاملة،على اعتبار أن ارتهان التغيير الثوري بالعوامل الاقتصادية يجعل هذا التأثير نسبيا محدودا.

سـارتــر:

تحتل مســألة حرية الإنسـان مكانة هامة في الفلسـفة الوجــودية التي يعـد"سـارتـر" أحـد أبرز أعلامـها، وذلك مـن خلال تأكــيدها على أن الإنســـان يبـــني ماهيـــته وفــــقا لما يريـد أن يكـون عليه(الإنسان بوصفه "مشروعا" عند "سارتر"). ونـتيجة هذا الـــموقف هي اعتبار الإنسان قادرا على صنع التاريخ وتوجيه مساره عندما يمتلك الــوعي بالممكـــنات أو الإختيارات المتـــــاحة له،لكي يتمـــكن من تجـاوز الوضــــعية المعــطاة ،أو الــــشروط الموضوعية، عبر تحقيقه لمشروعه ضمن حقل الممكنات التي يختار إحداها.

وهكذا، يتبين أن دور الإنسان في التاريخ قد يكون محكوما بقوى متعالية يستجيب الأفراد لمشيئتها دون وعي منهم إذا انطلقنا من وجهة نظر مثالية (هيجل)، وقد يكون الإنسان فاعلا في التاريخ في إطار حرية نسبية لا تنفلت من تأثير الشروط الموضوعية حسب التصور المادي (ماركس)، كما قد نرى في الإنسان صانعا للتاريخ بحرية أكبر تتأسس على الوعي بالممكنات مثلما تؤكد ذلك الوجودية (سارتر).